الشيخ محمد رشيد رضا
405
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ 177 ) * * * هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمكذبين بآيات اللّه المنزلة على رسوله ( ص ) على ما أيدها به من الآيات العقلية والكونية ، وهو مثل من آتاه اللّه آياته فكان عالما بها حافظا لقواعدها وأحكامها ، قادرا على بيانها والجدل بها ، ولكنه لم يؤت العمل مع العلم ، بل كان عمله مخالفا لعلمه تمام المخالفة ، فسلبها لأن العلم الذي لا يعمل به لا يلبث أن يزول فأشبه الحية التي تنسلخ من جلدها وتخرج منه وتتركه على الأرض ( ويسمى هذا الجلد المسلاخ ) أو كان في التباين بين علمه وعمله كالمنسلخ من العلم التارك له كالثوب الخلق يلقيه صاحبه والثعبان يتجرد من جلده حتى لا تبقى له به صلة على حد قول الشاعر : خلقوا وما خلقوا لمكرمة * فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد * فكأنهم رزقوا وما رزقوا فحاصل معنى المثل أن المكذبين بآيات اللّه تعالى المنزلة على رسوله محمد صلوات اللّه وسلامه عليه على إيضاحها بالحجج والدلائل كالعالم الذي حرم ثمرة الانتفاع من علمه لأن كلا منهما لم ينظر في الآيات نظر تأمل واعتبار واخلاص وهاك تفسير الآيات بما يدل عليه نظمها العربي ، ويتلوه ما ورد من الروايات فيها ونظرة فيه وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها التلاوة القراءة والقاء الكلام الذي يعاد ويكرر للاعتبار به ، والضمير في عليهم للناس المخاطبين بالدعوة وأولهم كفار مكة . والسورة مكية ، وقيل لليهود لأن المثل تابع لقصة موسى في السورة ، والنبأ الخبر الذي له شأن ، وهذا الذي آتاه اللّه آياته من مبهمات القرآن لم يبين اللّه ولا رسوله في حديث صحيح عنه اسمه ولا جنسه ولا وطنه لأن هذه الأشياء لا دخل لها فيما أنزل اللّه تعالى الآيات لبيانه . وانسلاخه منها